محمد بن جرير الطبري
576
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للقوم الذين قالوا = إذْ أنزل الله تحريم الخمر بقوله : " إنما الخمرُ والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " : كيفَ بمن هلك من إخواننا وهم يشربونها ؟ وبنا وقد كنّا نشربها ؟ = ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم حرج فيما شربوا من ذلك ، في الحال التي لم يكن الله تعالى حرَّمه عليهم ( 1 ) = " إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " ، يقول : إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه ، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه ، ( 2 ) وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم ، فأطاعوهما في ذلك كله = " وعملوا الصالحات " ، يقول : واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم ( 3 ) = " ثم اتقوا وآمنوا " ، يقول : ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارِمه بعد ذلك التكليف أيضًا ، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به ، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا = " ثم اتقوا وأحسنوا " ، يقول : ثم خافوا الله ، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسان ، وذلك " الإحسان " ، هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال ، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى رّبهم طلبَ رِضاه ، وهربًا من عقابه ( 4 ) = " والله يحب المحسنين " ، يقول : والله يحب المتقرِّبين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها .
--> ( 1 ) انظر تفسير " الجناح " 9 : 268 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك = وتفسير " طعم " فيما سلف 5 : 342 . ( 2 ) انظر تفسير " اتقى " فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) . ( 3 ) انظر تفسير " الصالحات " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) . ( 4 ) انظر تفسير " الإحسان " فيما سلف : 512 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .